يوم الخميس بعد العصر , يكون الناس مختلفين جداً عما يكونون عليه الساعةَ السابعة صباحاً, و اوضحُ من يمكنك ملاحظة ذلك فيه , ركاب باص الاجرة , فمن الوجوه الكالحة الصامتة و نصف الناعِسة صباحاً, الى تلك الباشة المملوئة حياةً ذاتُ الأفواه المفعمة بالثرثرة مساءً !
..
سائق الباص ذاك الذي يعرف كل سكان الاحياء التي يمر بها , ابتداءً من ابو محمد العائد من الضفة , الى عبّود , ابن ابو أحمد الخضرجي , يختلفُ ايضاً باختلاف أمزجة ركابه !
ففي الصباح , يكتفي بلم الاجرة مكفهراً صامتاً , حريصَ الاهتمام بتغيير الراديو حالما تدق ساعة اذاعة القران الكريم السابعة و الربع معلنة انتهاء ورد القراءة و البدء ببرامج الصباح , ليضبط مذياعه اما على روتانا او أمن اف ام فيجبر جمهوره على سماع فيروز لربع ساعة , بانتظار برنامج الوكيل او الحويان .. !!
اما في المساء فانه ينكش مخه على ابو محمد , بسؤاله عن محمود "المتوفي" مستغلاً ضعفَ ذاكرته و انعدام بديهته , ليجيبه المسكين ان محمود بخير و صحته " عال العال " .. !!
يسعدُ بركوب حمادة و حمودة و عبود , ثلاث صغار لا تتجاوز اعمارهم السابعة , و يتغاضى عن دفعهم لـ 15 قرشاً عن ثلاثتهم , على الرغم من ان اجرة الواحد فقط هي 20 قرشاً !! و يجلسهم الى جانبه , و عن طيب خاطر يدحش احدهم على كرسيه :)) ..
و اذا ما صادفته ام باسل التي فقدت ذاكرتها منذ زمن , على الطريق لتسأله عن رفيقه باسل الذي يعمل معه , يجيبها انه على خط الحي الثاني "يا حجة " , انتظريه بضعَ دقائق بعد ,
في الواقع باسل لن يمر قبل حلول المساء .. لكن لا باس , فهي بأي حال لن تتذكر , يكفيه ان يسعدها هنيهة ..
في ايام العطَل المدرسية يعمل ابن السائق كونترولاً يلملمُ الاجرة من الركاب , و يرتب الجالسين اذا ما صعدت فتاة ليفسح لها مكاناً تجلسُ فيه , قد تلحظه احياناً يفعلُ الشيء ذاته في طريق ذهابه الى المدرسة , فيجمع الاجرة و يعطيها لابيه , ثم ينزل على الطريق ليـُكملَ مشواره ..
لكن كيفَ يبدو مزاجُ ابيه المنعكس عن امزجة الناس على ابنه ؟
اذا ما اسقطَ الطفل خطأ , "شلن" على الارض , فان ذلك قد يجعله مستحقاً لجحرة - تُحيلُ الصخر سائلاً - من ابيه صباحاً , او قد يكتفي الاب بـ " خلص خليه بس اوقف ؛ طـوله " حرصاً عليه من فقدان التوازن ثم الوقوع على الارض ..
الـأنكل شفير الباص , ذاكَ البني آدم الذي يحفظ كل ركاب الحي عن ظهر قلب , مع بضعَ تفاصيل عنهم , اذا ما صدفَ و ان فقدت محفظتك , قال :" خلص بس ألفّ اللـّفة استناني , بتكون خشيت ع الدار و جبتهن " , ثقة متبادلة , بنيت بصمت على متن باصه العتيد ..
قد يعتريه بضعُ تصرفات لا تليق بمعظم ركابه , لكن تلكَ حياته يا قوم .. ما هيَ الا انعكاسُ أمزجتنا و انفعالاتنا عليه ..
و دمتم .. اصحاب سيارات فارهة :)
على الهامش:
تجبرني فيروز و الوكيل و الحويان و كل امثالهم على التشبث بحلم السيارة الرقيقة تيوتا :\\
